*  المحاكم والتطور التكنولوجي

           بقلم المحامي راني جوزف صادر

 

يعيش العالم المعاصر ثورة اتصالات هائلة كان لها اعظم الاثر على تطور تكنولوجيا المعلومات، حيث ساعدت الافكار والاختراعات الحديثة على سرعة انتقال المعلومات، كما وفرت امكانيات الاتصال والتعامل المباشر سواء عبر الشبكة العالمية (Internet) او عبر شبكات المعلومات المحلية (Intranet)، فضلا عن تقديم ما لا يحصى من الخدمات الالكترونية، مؤدية تالياً الى ولادة عصر جديد هو "عصر تكنولوجيا المعلومات".

و"تكنولوجيا المعلومات" (Information Technology) هي إختصاص واسع يهتم بالتكنولوجيا ونواحيها المتعلقة بمعالجة المعلومات، تتعامل هذه التكنولوجيا بشكل خاص مع أجهزة وبرامج الكومبيوتر لتحويل وتخزين وحماية ومعالجة المعلومات وأيضا نقل هذه المعلومات واسترجاعها.

ويشهد العالم اليوم تغيّرات جذرية في مختلف مجالات الحياة، حيث تتغير طبيعة النشاطات والفعاليات القضائية والاقتصادية والادارية والاجتماعية والثقافية بشكل جذري بفضل استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، فلقد غيرت التطورات المعرفية سبل عمل المحاكم التقليدية بادخال وسائل عديدة كنشر المعلومات القضائية وتعديل وسائل الاثبات كما واجراءات المحاكمة بشكل عام، حتى دفعت بكثيرين للحديث عن عدالة الكترونية بواسطة قاضٍ إلكتروني ومحاكمات إلكترونية وتحكيم الكتروني.

اهمية نشر المعلومات القضائية وتسهيل عمل القضاة:

إن تكييف تكنولوجيا المعلومات لتتأقلم مع طبيعة العمل القضائي ومن ثم إدخالها الى قاعات المحاكم، من شأنه أن يحدث تغييرا جذريا في النظام القضائي، وقد اثبتت تجارب نظام العمل الممكنن في الدول التي طبقته على محاكمها (كالولايات المتحدة الاميركية والاتحاد الاوروبي واوستراليا وحتى حكومة دبي في دولة الامارات العربية المتحدة) أن التطور التكنولوجي ومواكبة المحاكم له يعزز ثقة الافراد وحتى المستثمرين بالنظام القضائي، اذ بفضله تتكون لديهم صورة اجلى لنظام المحاكم وكيفية عملها، وذلك من خلال تمكينهم من الاطلاع على ما يدور في المحاكم بشكل افضل.

ومن ابرز ما يعزز هذه الثقة، نشر المعلومات القضائية وجعلها متاحة للجميع وذلك تسهيلا لتطبيق مبادىء الشفافية وحسن تطبيق القانون.

ففي الولايات المتحدة الاميركية مثلا، تقوم العديد من المحاكم بنشر قراراتها على شبكة الإنترنت، كما توفر امكانية الإطّّلاع الكترونيا على جميع الآراء والوثائق والمستندات المحفوظة لديها. ونجد في الاتحاد الاوروبي ان العديد من المواقع الالكترونية توفر خدمة النشر المجاني وغير المجاني للقرارات والاحكام القضائية.

اما في عالمنا العربي فالوضع غير مختلف، اذ عمدت بلدان عربية عدة كدولة الكويت الى انشاء موقع([1]) متخصص بنشرالقوانين واجتهادات المحاكم الخليجية كافة (تم البدء بقوانين دولة الكويت واحكام محاكم التمييز فيها).

وفي الامارات العربية المتحدة، تناولت الخطة الاستراتيجية التي وضعها سمو الشيخ محمد بن راشد المكتوم (رئيس مجلس الوزراء) للحكومة الاتحادية وزارة العدل والعدالة والقضاء، اذ جاء فيها:

"...خطتنا الإستراتيجية ترمي إلى ضمان مواكبة قطاع الأمن والعدالة والسلامة لمسارات النمو الاقتصادي والاجتماعي، بحيث تتوافر دائماً متطلبات استتباب الأمن وتحقيق العدالة والسلامة للمجتمع والأفراد على حدٍ سواء، وسيتم ذلك من خلال المحاور التالية:

...رابعاً: سهولة التقاضي برفع العوائق التي تمنع الحصول على حق التقاضي أو تجعل الالتجاء للقضاء عسيراً، وتيسير حل المنازعات العمالية.

خامساً: المساواة والحيادية والدقة والوضوح في التحقيقات والأحكام، وذلك من خلال تفعيل دور التفتيش القضائي، وتحسين آليات حل المنازعات الإيجارية، ورفع جودة التحقيقات والأحكام القضائية.

سادساً: تطوير سرعة التقاضي من خلال: تفعيل التحكيم التجاري، زيادة كفاءة نظام إدارة الدعاوى، وضمان سرعة تنفيذ أحكام المحاكم واللجان القضائية...."

وبالفعل لم تتلكأ وزارة العدل الاماراتية في اتخاذ قرار جريء بدخول شراكة (هي الاولى من نوعها في عالمنا العربي) مع القطاع الخاص لانشاء بوابة الكترونية ممولة بشكل مشترك من الحكومة الاتحادية واحد اهم دور النشر العربية الحقوقية ليتم من خلاله نشر معلومات قانونية عدة كالتالية:

-          قوانين دولة الامارات العربية المتحدة الاتحادية (التشريع الاماراتي)

-          الاتفاقات الدولية المنضمة اليها والموقعة من الدولة

-          احكام المحكمة الاتحادية العليا للدولة منذ انشائها

-          فتاوى هيئة التشريع والفتاوى التابعة لوزارة العدل

-          قوانين دولة الامارات العربية باللغة الانكليزية.

علما بان الحكومات المحلية في دولة الامارات تسعى بالاتجاه نفسه: فالموقع الالكتروني لمحاكم دبي مثلا يوفر العديد من الخدمات الالكترونية مثل القاضي الالكتروني والمحامي الالكتروني والزواج الالكتروني والمكتبة الالكترونية وغيرها. وتتيح خدمة القاضي الالكتروني للقاضي متابعة قضاياه وأحكامه في أي مكان وزمان، بالإضافة إلى خاصية الاطلاع على القوانين الاتحادية وأحكام محكمة التمييز. ويتميز الموقع الجديد لمحاكم دبي بسهولة استخدامه باللغتين العربية والانجليزية. وكذلك فعلت النيابة العامة في دبي.

اما في ابوظبي، فقد عمدت الحكومة الى انشاء جهاز قضائي مستقل وحديث ومجهز باحدث الوسائل الالكترونية. كما وضعت بين ايدي القضاة برامج قانونية متخصصة عدة تحوي القوانين الاتحادية والمحلية الخاصة بالامارة كما واجتهادات المحاكم وذلك تسهيلا لعمل القضاة.

وفي لبنان، وبالرغم من المصاعب الجمة التي تواجهه، أُطلِقت عددا من قواعد المعلومات القانونية الالكترونية نخص بالذكر "مجموعة صادر في المعلوماتية القانونية: قوانين لبنان" وهي الأولى من نوعها التي تعتمد الهيكلية التنظيمية للدولة اللبنانية والمجموعة الرقمية لمحكمة التمييز القرارات المدنية (منذ 1919).

يضاف إلى ذلك عدد من البوابات الإلكترونية ومواقع الإنترنت المتخصصة، منها موقع قوانين لبنان بالإنكليزية (www.lebaneselaws.com) والذي جرى اطلاقه بالتعاون مع وزارتي العدل والاقتصاد والتجارة وبتمويل من المؤسسة الأميركية للتنمية الدولية، والمكتبة الإلكترونية لوزارة العدل في لبنان التي تسهم في وضع المراجع والأبحاث والاجتهادات بين أيدي القضاة اسهاماً في ترسيخ العدالة وحكم القانون، وموقع مجلس شورى الدولة اللبناني (www.statecouncil.gov.lb) بالتعاون مع وزارة العدل ومجلس شورى الدولة وبتمويل من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية. ناهيك عن ذكر موقع نقابة المحامين في بيروت.

التجهيزات الالكترونية في قاعة المحكمة وخارجها لتسريع وتبسيط الاجراءات:

توفر الاختراعات التكنولوجية المتطورة انظمة معلوماتية ومعدات الكترونية من شأن استخدامها في قاعات المحاكم ان يفعّل ويسرّع العمل القضائي. وقد عمدت العديد من المحاكم في الولايات المتحدة الاميركية وفي بعض الدول الوروبية الى تزويد قاعاتها بشاشات عرض رقمية (Visual Presentation Card) يتم من خلالها عرض الادلة باشكالها كافة سواء كانت مستندات ورقية او صور فوتوغرافية او اشكال ثلاثية الابعاد (وذلك بواسطة كاميرا رقمية) او حتى ملفات رقمية (كاشرطة الفيديو والاقراص المدمجة ...). وقد زُوّدت هذه الشاشات باجهزة تسمح بالكتابة عليها وبالتحكم بعرض الادلة كالتحكم بسرعة عرض شريط الفيديو مثلا او ابطائه او ايقافه (Pause) عند اللزوم، وايضا من خلال التركيز على ادلة معينة بواسطة رسم دائرة حولها او الاشارة اليها او تلوينها (Highlight).

وبفضل التقنيات الحاصلة على صعيد تكنولوجيا الاتصالات يمكن نقل المعلومات من اي جهاز كومبيوتر شخصي الى هذه الشاشة، كما يمكن وصلها بآلة طابعة (Printer) تسمح بالطباعة الملونة لاي صورة تمر عبر الشاشة (بعد تثبيت هذه الصورة) من اجل حفظها كدليل.

وبموازات شاشة العرض هذه يتم الاستعانة بكاميرا رقمية تركز فوق منصة الشهود تنقل لهيئة المحكمة صورة اي دليل او وثيقة أو صورة او شكل ثلاثي الابعاد يقدم الى الشاهد وهذه الصور تظهر ايضا على شاشة العرض ويمكن لهيئة المحكمة ان تحجب ظهورها. ومن اجل ذلك ينبغي تزويد هذه الهيئة بأجهزة كومبيوتر مزودة ببرامج تسمح لهم بالتحكم بشاشة العرض، ويجب ان تحمّل هذه الاجهزة ببرامج معدة خصيصا لتسهيل عمل القضاة وتسمح لهم بوضع الملاحظات الكترونيا واجراء الابحاث القانونية اما عبر وصل اجهزتهم بالإنترنت او عن طريق تحميلها بمكتبات الكترونية متخصصة او عن طريق تحميلها ببنوك معلومات قانونية.

الى ذلك يمكن تحميل اجهزة الكومبيوتر الخاصة بالقضاة والمحامين بقواعد معلومات قانونية تحوي مجموعات القوانين والاجتهادات والدراسات والاراء الفقهية على ان تكون هذه القواعد مزودة بمحركات بحث (search engine) متخصصة ومتطورة تسمح بالوصول الى المعلومة بأسرع وقت ممكن، مما قد يمكّن القضاة في بعض الحالات من اتخاذ القرارات الفورية على قوس المحكمة وما لذلك من اثر على مدة المحاكمات. كما وتصوير الادلة كافة وتسجيل الاستجوابات وافادات الشهود لامكانية الرجوع اليها عندما يرى القاضي ذلك.

ولعل من اهم انجازات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات تأثيرا على تسريع وتفعيل السير في القضايا العالقة امام المحاكم، هو تزويد قاعة المحكمة بشاشة تسمح بعقد مؤتمرات مرئية ومسموعة عبر الفيديو (Video Teleconferencing System) يسمح هذا الجهاز بسماع شهادة الشهود عن بعد (في الحالات التي يكون فيها الشاهد شخصا معوقا او يتعذر عليه الحضور لبعد المسافة – كوجوده في دولة اخرى – أو لقوة قاهرة او لوجوده في المستشفى ...) كما ويسمح ايضا بتسجيل هذه الشهادات وحفظها الكترونيا للمستقبل.

هذا ولا يخفي على احد اهمية انشاء مكتبات الكترونية([2]) متخصصة تسهيلا لعمل القضاة وتاليا المحاكم. مع الاشارة هنا الى ان لبنان كان سباقا في انشاء مكتبة الكترونية متخصصة لدى وزارة العدل (ولو بمرحلتها الاولى).

وجدير بالذكر هنا ان المحاكم الاميركية، التي سعت الى تزويد قاعاتها باجهزة تكنولوجية متطورة، لم تؤمّن، لاسباب امنية، امكانية ربط هذه الاجهزة بشبكة الإنترنت، الا انها في المقابل زودت طاولات المحامين باجهزة خاصة تمكنهم من الوصول الى خطوط هاتف للاتصال المباشر، وتاليا تمكين المحامي الذي يحضر معه جهاز كومبيوتر شخصي(Laptop)  استعمال الانترنت والاستفادة من الخدمات التي توفرها هذه الشبكة، مثل خدمة (chatting)، وارسال وتلقي البريد الالكتروني، والقيام بالبحث، فضلا عن تمكينه من الاتصال بمكتبه.

هذا وقد جهزت قاعات بعض المحاكم في الولايات المتحدة الاميركية بميكروفونات لاسلكية تسمح بسماع صوت المحامي وهو يتنقل داخل قاعة المحكمة، وبسماعات رأس لاسلكية (headphones) توفر خدمة الترجمة التلقائية حيث يلزم. وتفيد سماعات الرأس هذه، الاشخاص الذين يعانون من ضعف في السمع.

مزايا التطور التكنولوجي في قاعات المحاكم

ان تجارب مختلف المحاكم الغربية في هذا المجال هي حديثة العهد. وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات هي في تطور دائم. ومع ذلك فقد نتجت عن نظام مكننة عمل المحاكم مزايا عديدة اهمها:

1.            معالجة مشكلة تراكم القضايا (Backlog)؛

2.            التوفير في الوقت وفي المال؛

3.            تسهيل وتسريع عمل المحاكم (قضاة نيابات عامة ومساعدين قضائيين وتواصلهم مع المحامين)؛

4.            خفض النفقات من خلال تقليص عدد الموظفين ؛

5.            التسجيل الرقمي الفوري للاحكام ونشرها مباشرة بشتى الوسائل الالكترونية؛

6.            عرض الادلة بسرعة وحفظها؛

7.            تسهيل اطلاع العامة على الاحكام؛

8.            سماع الشهود عن بعد.

وفي المقابل ينتج عن كل ذلك صعوبات تتمثل ب:

1.            الكلفة العالية للتجهيزات الالكترونية الاساسية وابقاؤها معدلة وحديثة.

2.            الكلفة والوقت المطلوبان لتدريب الجسم القضائي على استخدام التجهيزات الحديثة،

3.            ضرورة توفير طواقم متخصصة تضطلع بالامور التالية:

·     وضع البرامج (ان المسؤولين عن هذا القسم يجب ان يكونوا أخصائين في المعلوماتية القانونية)،

·   القيام بتجهيز قاعات المحاكم بالاجهزة والمعدات الالكترونية واقامة   شبكة اتصالات بينها (ضمن المحكمة الواحدة وبين المحاكم المختلفة والقوى الامنية المخصصة لمؤازرة القضاة والمساعدين القضائيين بعملهم وايضا وصلها بالشبكة العالمية حيث يلزم) مع ما يترتب على ذلك من صيانة واصلاح للاعطال التي قد تطرأ،

·     القيام باعداد القضاة، موظفي المحاكم والمحامين لتمكينهم من استخدام هذه        التكنولوجيا الحديثة.

4.      تعديل بعض التشريعات القانونية لتتماشى مع متطلبات تطبيق تكنولوجيا المعلومات والاتصالات داخل قاعات المحاكم وهي ليست بسهلة لاختلاف الاراء وحداثتها في مختلف ما اشرنا اليه سابقا.

5.