* الملكيّة الفكريّة... من القرصنة ما قتل

           بقلم منصور بو داغر ، الاثنين 14 نيسان 2008

 

"عندما تخفق حمايات حقوق الملكية الفكرية، قد يسفر ذلك عن نتائج قاتلة. فخلال تفشي داء التهاب السحايا في النيجر في العام 1995، لقّح أكثر من 50 ألف نسمة بجرعات مزيّفة، مما أدى إلى وفاة ألفين وخمسمئة شخص. وقد توفي 30 طفلًا رضيعًا في الهند في العام 1998، و89 في هاييتي في العام 1995 نتيجة تناولهم دواء ضد السعال استعملت في صنعه مادة كيمائية سامة تضاف إلى السوائل لجعلها مقاومة للتجمد. وفي العام 1989 أُعيد سبب سقوط طائرة ركاب نرويجية إلى استخدام مسمار ملولب غير أصلي في تجميعها؛ وقتل في ذلك الحادث 55 شخصًا". إنّه اقتباس من بيان صحافي للسفير الاميركي السابق جيفري فيلتمان في 27 نيسان 2007 يعكس أهميّة جزء بسيط ولكن خطير جدا من موضوع الحفاظ على حقوق المؤلّف والمخترع والمصمّم.

وفي الاطار نفسه، ولكن على الصعيد اللبناني، يؤكد مدير شركة صادر ومشاركوه المتخصّصة في الملكيّة الفكريّة والمستشار القانوني للجمعيّة اللبنانيّة للملكيّة الفكريّة LIPA المحامي راني جوزيف صادر أنّ "هناك أمورًا مرتبطة بالملكيّة الفكريّة خطرة على حياة الانسان. فتقليد الادوية (عبر مزجها بالكِلس) والمأكولات (عبر تضمينها حبرًا أو نشارة خشب) وأدوات التجميل وقطع السيّارات لا سيّما منها الفرامل، كلّها أمور خطرة جدا على حياة البشر". ويضيف صادر "سمعنا وتأكدنا من فضيحة دواء السرطان (وهو عبارة عن مصل احتوى على ماء بدلا من الدواء) الذي ابتاعته وزارة الصحّة منذ فترة، واستخدم في "علاج" طفل في مركز علاج سرطان الاطفال وعلى ما يبدو أدى ذلك إلى وفاته. كما يتم تقليد أدوية التنشيط الجنسي والتي غالبا ما تسبّب أزمة قلبيّة لمستخدمها بسبب التفاعل السلبي لها فتودي بحياته. ونسمع في كثير من الاحيان حوادث سير، كشاحنة يقودها شخص بكامل وعيه وفي وضح النهار فتتعطّل فراملها فجأة وتتسبّب بكارثة. وهنا يعتقد البعض أنّ الحادث عائد إلى عطل فني، في حين أنّنا إذا دقّقنا في الامر، سنجد أنّ الفرامل المستعملة ليست أصليّة ما يؤدي إلى انشطارها على درجة حرارة معيّنة، وذلك على عكس الأصليّة منها التي تعطي إنذارات قبل انتهاء صلاحيّتها".

أما على المستوى الاقتصادي، ووفق تقرير منظّمة الملكيّة الفكريّة الدوليّة (
IIPA)International Intellectual Property Alliance فإنّ الخسائر في السوق اللبنانيّة الناتجة من قرصنة المنتجات المرتبطة بالملكيّة الفكريّة وتقليدها بلغت 26,8 مليون دولار أميركي العام 2007 مقابل 25,6 مليون دولار في العام 2006.
وهنا يشير صادر إلى أنّه، ولأوّل مرّة، تضمّن البيان الوزاري للحكومة اللبنانيّة الحاليّة مسألة حماية الملكيّة الفكريّة. فنصّ في الفقرة السادسة من المبادئ العامة للسياسة الاقتصاديّة للحكومة على "التأكيد على أهمية إعادة انخراط لبنان في الاقتصادين العربي والعالمي ... وتسريع عملية انضمام لبنان إلى منظمة التجارة العالمية وتطبيق القوانين المتعلقة بحماية الملكية الفكرية ومكافحة القرصنة".

وفي الفقرة "د" من المحاور الاقتصادية والمالية والاجتماعية الرئيسية في برنامج الحكومة الاقتصادي والمالي والاجتماعي نصّ البيان على ما يلي: "...واضافة الى ذلك ستعمل الحكومة على مساندة القطاعات الإنتاجية في عملية التحوّل الاقتصادي نحو اقتصاد القرن الـ 21، المبني على المعرفة (
Economy knowledge). وستركزّ الحكومة على ضرورة الاهتمام بقطاعات الاقتصاد الجديد "New Economy" التي من شأنها أن تحقق نسبًا مرتفعةً من النمو والعمالة الجديدة وبما يؤدي إلى اعتماد الإنتاج الفكري مصدرًا للدخل والثروة الوطنية".

الاطار القانوني للملكية الفكرية

يعرّف المتخصّص في الملكيّة الفكريّة في مصلحة حماية الملكيّة الفكريّة في وزارة الاقتصاد الاستاذ وسام العميل هذه الملكيّة بأنّها جزءان صناعيّة من جهة وأدبيّة وفنيّة من جهة أخرى. الاولى تشمل براءات الاختراع والعلامات التجاريّة والمؤشّرات الجغرافيّة والرسوم والانموذجات الصناعيّة. أما الثانية فتشمل الحقوق الادبيّة والفنيّة أي حق المؤلّف من كتب ورسوم ونحت واسطوانات مدمجة وغيرها.

وعن الحماية القانونيّة للملكيّة الادبيّة والفنيّة يقول العميل إنّ إشكاليّة المادة 25 قد تمّ معالجتها عبر قانون أصبح أمام مجلس النوّاب. وهذه المادة تسمح للطلاب وبعض المؤسّسات التربويّة بالاستحصال على نسخة مجانيّة عن المؤلّفات دون إذن المؤلّف. ومفهوم هذه النسخة المجانيّة موسّع جدا ولا ينطبق على المعايير الدوليّة. وعندما صدر هذا القانون العام 1999 كان مفهوم الملكيّة الادبيّة والفنيّة لا يزال جديدا واعتُرض عليه آنذاك على اعتبار أنّ هذا القانون يؤمّن مصالح الولايات المتّحدة. وكانت الحكومة وقتها قد أخذت القرار بالدخول إلى منظّمة التجارة العالميّة، ولذلك كان الهدف من وراء هذه القوانين أن تكون متوافقة مع المعايير المطلوبة في اتفاقيّة
TRIPS. ونحن ما زلنا حتى اليوم مراقبين في منظّمة التجارة العالميّة، لانّ العضويّة بحاجة إلى حد أدنى من المعايير التي تفرضها الاتّفاقيّة موضوع التطبيق. والملكيّة الفكريّة مسألة مقدّسة بالنسبة للدول الغربيّة ولا سيّما أنّ الاقتصاد حاليا هو اقتصاد المعرفة. ويرى العميل، أنّ في أميركا، ووفقا للدراسات، 86% من حجم الاقتصاد لديها هو اقتصاد معرفة. ونحن في لبنان ليس لدينا ثروة نفطيّة أو غيرها، ولكن لدينا ثروة فكريّة، فإذا أمّنا الحماية لميكروسوفت مثلا فسنؤمّن الحماية أيضا للانتاج الوطني، وسنشجّع اللبناني على الابداع في مجال اقتصاد المعرفة وعلى تأسيس شركات في هذا المجال، والحماية ستؤمّن له فرصة الازدهار والتأثير إيجابا على الاقتصاد. ولكن حتى اليوم الثقافة الموجودة في المجتمع قائمة على أنّ كل ما يرتبط بالملكيّة الفكريّة يؤمّن المصالح الاميركيّة فقط.

ويضيف العميل، أنّ مشروع القانون الذي قُدّم إلى المجلس النيابي،ضمّن تعديلات للقانون الحالي تسمح بانضمام لبنان إلى معاهدتي الانترنت الـ
WPPP وWCT والتي تديرهما الوايبو. وقد التزم لبنان الانضمام إليهما بموجب اتّفاقيّة الشراكة اللبنانيّة الاوروبيّة.

وبحسب صادر فإنّ لبنان اليوم في طور الدخول إلى منظمّة التجارة العالميّة
WTO التي تحتوي اتفاقيّة الـ TRIPS Agreement (Trade Related Aspects to Intellectual Property Rights). هذه الاتفاقيّة تفرض علينا أن نحسّن ونطوّر قوانينا المتعلّقة بالملكيّة الفكريّة. ويؤكّد صادر أنّ موضوع الملكيّة الفكريّة ليس بالامر الجديد في لبنان. فالقوانين المنظّمة لها قديمة جدا في لبنان وتعود إلى العام 1924. وبذلك يُعتبر لبنان من أوائل الدول العربيّة التي أقرّت قانونا لتنظيم وحماية الملكيّة الفكريّة. والعام 1999 أقرّ قانون حماية حقوق المؤلّف الذي أثار جدلا كبيرا حول نص المادة 25 فيه التي تسمح بنسخ المؤلّفات في حالات محدّدة ودون إذن المؤلّف. واليوم هناك مراجعة شاملة للقانون عملت عليها وزارة الاقتصاد وأحالت مشروع التعديلات إلى الحكومة التي أحالته بدورها إلى المجلس النيابي. والعام 2000 أقرّ قانون براءات الاختراع وقد أحالت الوزارة مشروع تعديل لهذا القانون. وهناك ثلاثة قوانين أخرى مفروضة علينا بموجب اتفاقيّة الـTRIPS وهي القانون الجديد للعلامات التجاريّة والمؤشّرات الجغرافيّة ومنع الاحتكار، وهي تنتظر الآن أمام مجلس النوّاب في انتظار استعادة نشاطه التشريعي. وفي هذه الاثناء تطبّق مكانها إما القوانين القديمة أو القانون العام والمبادئ العامة.

 

الاعتداء على الملكية الفكرية

 

وعن كيفيّة الاعتداء على الملكيّة الفكريّة فيرى صادر أنّ التقليد المحلي للمنتوجات العالميّة ما زال ضعيفًا نسبيًا في لبنان. إلا أنّ قطاع الطباعة فيه متطوّر جدا ويمكن أن يكون له بعض الاثر على تجارة البضائع المقلّدة عندنا. ويتمّ ذلك عبر طباعة الكتب دون إذن مؤلّفها أو بطباعة العلامات labels فمثلا يمكن طباعة علبة مسحوق غسيل بجودة عالية جدا ويتمّ بعد ذلك تعبئتها بمسحوق مقلّد. فهذا الامر سيوقع المستهلك بالالتباس، الامر الذي ينعكس ضررا عليه وعلى صاحب العلامة التجاريّة. وقد حصل أن قامت إحدى أهم المطابع في لبنان بطبع 60 ألفا من المستوعبات عالية الجودة لبضاعة Canon.

ويشير العميل إلى أنّ الاعتداءات تحصل على الاسطوانات المدمجة بنوعيها
CD  وDVD عبر القرصنة، وهو تعبير مستعمل لوصف الاعتداءات على الملكيّة الادبيّة والفنيّة، كنسخ الاسطوانات المدمجة والافلام وبرامج الحاسوب وغيرها، وذلك دون أن يتمّ دفع حقوق المؤلّف.

ولمعرفة البضائع المقلّدة بنظر صادر فهناك عدّة وسائل كالمختبرات وكيفيّة الطباعة والسعر ومقارنة المُنتج المُباع مع صورة العُلبة التي تحتويه وغيرها. إلا أنّ ذلك لا يعني أنّ المستهلك سيميّز البضائع المقلّدة من الاصليّة.

أسس حماية الملكية الفكرية

 

لا يرى العميل أنّ ترتيب لبنان على صعيد حماية الملكيّة الفكريّة سيئ للغاية وإن لم يكن جيّدا. فالوزارة بدأت منذ العام 2005 بحملات في وسط مدينة بيروت حيث جرى مسح كامل لها بالتعاون مع مراقبي حماية المستهلك وحجزت كل البضاعة المقلّدة. وكانت في حينه نسبة هذه البضاعة إلى تراجع. ولكن نظرا للظروف التي يمرّ بها البلد سياسيًا وأمنيًا لم يستمر النشاط على الوتيرة نفسها. فمن غير المقبول تفتيش محل حصل انفجار إلى جانبه.

ويشير العميل إلى أنّ الوزارة قد قدّمت إلى مجلس النوّاب طلبا للانضمام إلى بروتوكول مدريد للعلامات التجاريّة الذي أسّس نظاما للتسجيل الدولي للعلامات. فمثلا إذا أراد شخص ما أن يحمي علامته التجاريّة في لبنان فعليه أن يسجّلها في المكتب المختص في مصلحة حماية الملكيّة الفكريّة. وإذا أراد أن يحميها في فرنسا فعليه أن يسجّلها هناك، الامر نفسه بالنسبة للولايات المتّحدة. فجاءت منظّمة الوايبو ووضعت بروتوكول مدريد الذي سيسمح للبنانيين الراغبين بأن يودعوا علاماتهم في مختلف الدول المنضمّة إلى البروتوكول بأن يقدّموا طلبا وحيدا في دولتهم، التي ترسله إلى الوايبو والتي بدورها، عبر النظام الذي لديها، ترسله إلى مكاتب الدول المنضمّة إلى البروتوكول والتي اختارها طالب الايداع كي تُحمى علامته فيها. وبناء على هذه العمليّة يدرس كلّ مكتب على حدة ووفق النظام القانوني المطبّق فيه، هذا الطلب وعلى أساسه يُعطي موافقته أو يحجبها وعلى مُقدّم الطلب أن يُتابع طلبه الذي أصبح لدى هذه المكاتب. فهذا البروتوكول كما يراه العميل يسهّل الاجراءات الشكليّة من ناحية ويوفّر مالًا ووقتًا على طالبي حماية العلامات التجاريّة. وبالتأكيد سيزيد من عدد طلبات التسجيل في وزارة الاقتصاد عندما يتمّ اختيار لبنان، من قبل الشركات والتجار الاجانب، كدولة مطلوب تطبيق الحماية فيها. أما اليوم فيضطر التجّار إلى تقديم طلباتهم في كل دولة على حدة.

وعن التطبيقات العمليّة الجديدة على صعيد هذه الملكيّة يحيل صادر إلى جملة مشاريع تمّت في السنوات الماضية. ففي آذار من العام 2006 أنشئ لدى قوى الامن الداخلي وحدة مختصّة لمكافحة جرائم المعلوماتيّة والملكيّة الفكريّة. ويُعتبر هذا الجهاز على درجة كبيرة من الاهميّة ويقوم بعمل جبّار على الرغم من قلّة التجهيزات وضعف التأهيل. ومن الوحدات المُنشأة حديثا أيضا، هناك وحدة مختصّة في الملكيّة الفكريّة وفي مكافحة تهريب البضائع في إدارة الجمارك. ونقابة المحامين أطلقت لأوّل مرّة لجنة الملكيّة الفكريّة هذه السنة، والتي تعمل على مراجعة التشريعات المتعلّقة بهذه الملكيّة وبكيفيّة تطويرها عبر وضع مشاريع قوانين لها، كما تتولى هذه اللجنة تأهيل المحامين، ومسائل أخرى.

وعن تطبيق هذه القوانين فعليا على الارض لتأمين حماية حقيقيّة لمنتجات الفكر البشري، يؤكّد العميل أنّ باستطاعة من يُعتدى على ملكيّته الفكريّة المسجّلة لديهم أن يتقدّم بشكوى لدى الوزارة. فتُرسل هذه الاخيرة المراقبين أي الموظّفين المحلّفين الذين يقومون بالكشف على الاعتداءات، ويحرّرون محضرا بالمضبوطات ويحجزوا البضاعة ويحيلوا الملف إلى النيابة العامة. وبهذا المجال تتصرّف المصلحة كجزء من النيابة العامة. وهناك أيضا قوى الامن الداخلي التي أنشأت فيها وحدة متخصّصة بمكافحة الاعتداءات على الملكيّة الفكريّة وخصوصا على الاسطوانات المدمجة على أنواعها؛ وكذلك الأمر بالنسبة للجمارك التي تتابع مسائل التهريب عبر الحدود. ويمكن للمُعتدى على ملكيّته أن يتقدّم بشكوى مباشرة أمام النيابة العامة أو قضاء العجلة اللذين يعطيان الاشارة اللازمة لرفع الاعتداء وحماية الحقوق.

وعلى صعيد المشاكل التي تعترض الحماية الفعّالة للملكيّة الفكريّة يشدّد صادر على مسألة غياب التنسيق بين أجهزة الدولة المعنيّة من جهة كقوى الامن الداخلي ووزارة الاقتصاد والجمارك وغيرها، وبين هذه الاجهزة والجمعيّات الاهليّة المعنيّة بالموضوع. كما أنّ هذه الاجهزة تفتقد للبنية التحتيّة، فهناك نقص حاد في التجهيزات وتأهيل العناصر وتدريبهم على وسائل مكافحة جرائم الملكيّة الفكريّة وهناك الملاحقة والعقوبة. فمثلا جرم الاتجار بالمخدّرات هو جناية، في حين أنّ الاعتداء على الملكيّة الفكريّة هو جنحة أي أنّ عقوبته أخفّ، ونادرا ما تحكم المحاكم بالحبس، وغالبا ما تقتصر العقوبة على الغرامة المالية.

وعن التنسيق بين هذه الاجهزة فلا يجد العميل أنّ هناك تنسيقا كافيا. ويجب أن يتمّ تبادل قواعد المعلومات بينها الامر الذي يساعد على تحسين الحماية على الارض.

ويجب بحسب صادر، ولتفعيل مكافحة التقليد، أن يُعطي القضاء الاهميّة اللازمة للملكيّة الفكريّة. ولهذا السبب وإضافة لما تمّ إنشاؤه من أجهزة حكوميّة في هذا الاطار، تسعى الجمعيّة اللبنانيّة للملكيّة الفكريّة لدى المعنيين، ومنذ أربع سنوات، إلى إنشاء محاكم أو غرف في المحاكم متخصّصة في دعاوى الملكيّة الفكريّة، وإلى إنشاء نيابات عامة متخصّصة بهدف تسريع المحاكمات وتلف الأشياء المُصادرة والحكم بتعويضات وبغرامات متناسبة مع الخسائر الفادحة التي تلحق بالمُنتجين، والارباح الطائلة التي يحقّقها المقلّدون.

 

الملكية الفكرية ودور وزارة الاقتصاد

عن دور الوزارة وتحديدا مصلحة حماية الملكيّة الفكريّة فيشرح العميل، أنه يتم تسجيل كل ما ينجم عن هذه الملكيّة من إبداعات ومؤلّفات. علما أنّ النظام اللبناني بالنسبة للتسجيل هو نظام إيداع
deposit system وليس نظام الفحص حيث يتمّ فحص ودراسة الاختراع أو المؤلَّف ليتأكدوا من أنّه جديد وقابل للتطبيق الصناعي أي يبحثوا في انطباق الشروط الموضوعيّة عليه لاعتباره اختراعا. أمّا في لبنان فهذا الفحص لا يتمّ كون هذه العمليّة بحاجة إلى عدد كبير من الموظّفين وتستغرق وقتا طويلا، وعادة لا يُعتمد نظام الفحص في البلدان الصغيرة، وذلك على عكس مكتب البراءات والعلامات التجاريّة في الولايات المتّحدة(U.S.Patant and (Trademarks Office حيث نجد آلاف الموظّفين يتوزّعون على فرق متخصّصة بفحص البراءات والعلامات، ولديهم سجلات وبنوك معلومات ترشدهم في عملهم. وعلى المستوى الاوروبي هناك مكتب مماثل يعتمد طريقة الفحص.

ويضيف العميل، تُعتبر طلبات التسجيل الاكثر طلبا في المصلحة تلك المتعلّقة بالعلامات التجاريّة سواء بالنسبة للبنانيين والاجانب. وسبب ذلك أنّ لبنان هو بلد خدمات، وكل من لديه خدمة من سلع أو سياحة أو غيره يسجّل العلامة التجاريّة الخاصة به في المصلحة. ولدى الوزارة قاعدة بيانات ساعدت على تطوير نظام الايداع نسبيا. كما أنّها قدّمت مشروع قانون إلى المجلس النيابي متعلّق بالعلامات التجاريّة ينقل نسبيّا النظام اللبناني من الايداع إلى الفحص. وهذا القانون يتماشى مع المعايير الدوليّة الجديدة ومع متطلّبات منظّمة التجارة العالميّة وتحديدا إتّفاقيّة الـ
TRIPS.

وعن كلفة تسجيل العلامة التجاريّة، فهي تُحدّد بحسب الفئة وتتراوح ما بين 500 و550 ألف ليرة لبنانيّة كون كلفة النشر في الجريدة الرسميّة تُحسَب على عدد الاسطر ويختلف بين علامة وأخرى. هذا بالنسبة للفئة الواحدة، وعلى كل فئة إضافيّة يتمّ زيادة 275 ألف ليرة لبنانيّة. ومثال فئة الثياب وهي الفئة 25، أو المأكولات وهي الفئة 43، أو برامج الحاسوب وهي الفئة 9 إلى آخره. فالتسجيل الاوّل يكلّف 500 ألف ل.ل. يُضاف إليه رسم النشر في الجريدة الرسميّة. ولتسجيل العلامة بالنسبة لكل فئة أخرى يُضاف 275 ألف ل.ل. ويتم قطع الوصل في وزارة الاقتصاد ويتمّ دفعه في وزارة الماليّة. ويُعبّأ عادة الطلب بموجب أنموذج موجود لدى الوزارة. أما في ما يتعلّق بالملكيّة الادبيّة والفنيّة فالتسجيل ليس إلزاميا إذ هي تُحمى بمجرّد تجسّدها ماديا بأيّ شكل من الاشكال. وهي في هذه الحالة تُصبح محميّة ليس فقط في لبنان بل في كلّ الدول الاعضاء في معاهدة "برن"
BERN الصادرة في العام 1886 والتي لا تزال سارية المفعول حتى اليوم، ولبنان عضو فيها.

 

الاهتمام الامريكي

 

وعن الاهتمام الاميركي الدائم في الموضوع، فإنّ الاميركيين بنظر العميل، يهمّهم حماية مصالحهم سواء في لبنان أو غيره. وهناك تقرير 301 (301 REPORT) الذي ينص على حماية الملكيّة الفكريّة في مختلف دول العالم وخصوصا تلك التي تفتقر إلى مستوى حماية مقبول. والحكومة الاميركيّة تتحرّك بناء على ضغط الشركات لديها، لذلك فهم يدعمون بشكل مباشر أو غير مباشر، وعبر وكالاتهم، كل ما يتعلّق بالملكيّة الفكريّة. وهم يقدّمون في الوقت نفسه التدريب اللازم ويموّلون التوعية إذ إنّ ما يهمّهم هو زيادة الحماية وتفعيلها. وفي الاطار نفسه يقول صادر إنّ اهتمامهم لا يقتصر على لبنان بل يشمل كل العالم. إلا أنّ لديهم في لبنان عدّة مشاريع. فالشركات الدوليّة الكبيرة عموما والاميركيّة خصوصا، تتضرّر كثيرا من عدم حماية الملكيّة الفكريّة، وبشكل خاص قطاعات الادوية والموسيقى والبرامج المحميّة، المشفّرة أو المرتبطة بالحاسوب على حد سواء، وكلاهما يتعرّض لقرصنة شبه كاملة في لبنان. وما يعني الاميركيين أكثر هو موضوع الجريمة المنظّمة والتي ترتكبها المنظّمات الإجراميّة. فكون العقوبات التي تُنزل بمقلّدي البضائع لا تعدو الغرامة، تقوم المنظّمات الجرميّة باستعمال الموارد الناتجة من الاتجار بالاسلحة أو بالمخدّرات أو بالرقيق أو غيرها لشراء البضائع المقلّدة وإخفاء المصدر غير المشروع للاموال، ويعتبر هذا الفعل أحد المراحل المكوّنة لجريمة تبييض الاموال.

مستقبل الملكية الفكرية ونشر ثقافتها

 

ولكن في المقابل تُركّز الوزارة على موضوع التوعية وهي تتم بالتعاون مع المنظمّة الاميركيّة للتنمية الدوليّة وغرفة التجارة اللبنانيّة الاميركيّة وغيرهما. فنرى اليوم على مختلف المحطات دعايات خاصة بالادوية وبالاسطوانات المدمجة من برامج الحاسوب والموسيقى، وتعكس أهميّة حماية الملكيّة الفكريّة، وكونها ضرورة قانونيّة ووطنيّة. وقد تمّت حملة توعية كبيرة في كل المدارس، فتمّ توزيع رسالة عليها عبر وزارة التربية. ولبّت وزارة الاقتصاد دعوة كل المدارس الرسميّة والخاصة التي وافقت على إجراء حملة توعية فيها. وهدف الحملة كان طلاب المرحلة المتوسّطة.

وكان الهدف من التوعية إيصال رسالة واضحة بأنّ من يسرق الملكيّة الفكريّة فهو يرتكب سرقة تماما كمن يسرق مالا. وقد كان لهذه التوعية الاثر البالغ في الحد من ظاهرة القرصنة والتقليد.

ويضيف صادر أنّ لدينا الجمعيّات الاهليّة التي لا تتوخى الربح فهناك الجمعيّة اللبنانيّة للملكيّة الفكريّة
LIPA التي أنشأت العام 2004 وأطلقت موقعا إلكترونيا يحتوي على كلّ المواضيع المرتبطة بالملكيّة الفكريّة من مؤتمرات ودراسات وكتب جديدة واجتهادات ومعلومات مختلفة وتهدف إلى نشر الوعي حول الملكيّة الفكريّة وحماية أصحاب الحقوق من أيّ مخالفات. كما ستطلق هذه الجمعيّة في كلّ موضوع من مواضيع الملكيّة الفكريّة دليلا صغيرا يتمّ توزيعه على الناس لنشر ثقافة الملكيّة الفكريّة. كما تُساند هذه الجمعيّة وبالتعاون مع يو أس أيد USAID قوى الامن عبر إعطاء محاضرات للوحدة المختصّة فيها وتدريب عناصرها وتجهيزهم.

وعن مستقبل الملكيّة الفكريّة فبنظر صادر أنّ من غير الممكن أن نصل إلى إلغاء الاعتداءات على هذه الملكيّة بشكل تام وإن كان هذا هو الهدف الاسمى للعاملين في هذا المجال. ولكن الوضع قد يصل إلى مرحلة بالغة الخطورة في حال لم تبدأ الحكومة كما القضاء باتّخاذ قرارات جازمة في مكافحة التقليد. فقد دلّت التجربة على أنّ في بعض البلدان، كما في نيجيريا، بدأت البضائع المقلّدة تنافس الاصليّة لاسباب مختلفة إجتماعيّة، ثقافية واقتصاديّة. كما أنّ تفعيل المكافحة مرتبط إلى حد بعيد بمسألة التطوّر التكنولوجي والذي بدونه ستصعب مكافحة القرصنة لا سيّما عبر الانترنت.

وفي جميع الاحوال، فعلى اللبناني، بنظر صادر، أن يعلم أنّ مستقبله ومستقبل لبنان يكمن في الملكيّة الفكريّة، كون لبنان بلد مصدّر للعقول. وإذا لم نحمِ أدمغتنا لن نحمي تراثنا ولا اقتصادنا وذلك قبل أن نحمي الاميركي واقتصاده. فاللبناني متضرّر ليس فقط كمستهلك بل أيضا كمُنتج، وعليه أن يعي مصلحته قبل فوات الأوان.