*  الـقـتـل الـقـصـدي

          بقلم المحامية باتريسيا صعيبي
 

يعتبر قانون العقوبات سلاحاً حاداً بيد المجتمع وعقاباً لمرتكبي الجرائم، فتقسو عقوبته وفقاً لدرجة خطورتها، مثله كسائر القوانين الجنائية التي نصت على جرائم التعرض لحقوق الانسان واكثرها خطورة؛ تلك الواقعة على الحياة الانسانية والسلامة الجسدية كالقتل والايذاء المقصودين وغير المقصودين.

الا انه من النافل جداً التذرع بالقتل دفاعاً عن المجتمع وتخلصاً من مجرم معتدٍ على الحريات، لانه ليس من حق احد، وطالما لم يكن الخطر محدقاًَ به شخصياً، ان ينصب نفسه مدافعاً عن المجتمع وامنه فيقتل بحجة ان القتيل هو مجرم او سارق او معتدٍ، لان جميع التشريعات في العالم، تكافح ظاهرة اجرام القتل وتكرس حق الانسان في البقاء على قيد الحياة لحين موته بدنو اجله، لا عن طريق الابادة والافناء.
فان كل عدوان على اي شخص يستوجب ملاحقة ومعاقبة مرتكبيه، لان الاعتداء على حياة الانسان هو موضوع تحريم وتجريم منذ التاريخ وحتى اليوم.

اما المشترع اللبناني، فقد جعل من جريمة القتل القصدي الصورة الاساسية لكافة جرائم الاعتداء على حياة الانسان شرط الا تقترن بظروف واقعية وقانونية تخرج بها عن المقياس القانوني المعد لها.
وككل جريمة، للقتل ثلاثة عناصر: قانوني، مادي، ومعنوي.

فقد نصت المادة 547 من قانون العقوبات اللبناني رقم 340 تاريخ 1/3/1943 على ما حرفيته:
«من قتل انساناً قصداً عوقب بالاشغال الشاقة من 15 الى 20 سنة».

فالقتل هو ازهاق روح انسان حي، دون اعتبار لجنسه او لتابعيته او لسنه او مقاييسه الاجتماعية لان الحماية التي يوليها القانون الجزائي تشمل حياة كل فرد على قيد الحياة دون تمييز او تفريق.

لكن المشترع اشترط في الركن المادي لجريمة القتل تحقق عدة عناصر، كأن تكون الضحية انساناً حياً والمقصود وجود «الروح» اي الحياة سواء اكان الشخص صحيح الجسم او سقيم، حتى لو كان مقدرا له الموت بعد حين، وان يؤدي فعل الاعتداء الى الوفاة سواء تم هذا الفعل بعمل مادي او بعمل معنوي كما انه يمكن ان يكون ايجابياً كالطعن مثلاً، او سلبياً عن طريق الامتناع عن القيام بعمل ما بقصد القتل.
وبازهاق الروح تتحقق النتيجة وتكتمل جريمة القتل.

وكي يسأل الفاعل عن الوفاة يجب ان تقوم صلة سببية بين ما اتاه من عمل/فعل والنتيجة التي حصل عليها.

ولكن لا يعد القتل قصداً متحققاً الا اذا توافرت لدى الفاعل نية القتل بتوافر القصدين العام والخاص.
فالقصد العام يشترط لتوافره معرفة الفاعل بعدم مشروعية عمله، وبأن فعله واقع على انسان حي، وان يكون حر التصرف وقت الفعل. اما القصد الخاص فيتجسد في نية الجاني قتل المجني عليه وازهاق روحه مقدراً للنتيجة وللعلاقة بينها وبين فعله.

اما النية الجرمية وباعتبارها حالة نفسية تبقى شيئاً كامناً في مكنونات النفس البشرية يستحيل معرفتها ما لم تتجسد في عمل مادي يخرجها الى الوجود ويعطيها حجماً مادياً ملموساً او مستنتجاً بشكل لا يقبل التأويل او التخمين.

فلا بد في جناية القتل من توفر قصد جنائي خاص يتجسد في نية الجاني قتل المجني عليه وازهاق روحه، بحيث لا يعد فعله مقصوداً اذا انتفت هذه النية الجرمية.

وان النية الجرمية في القتل تستخلص سواء من سبب الحادث او الدافع اليه وسواء من تعدد الطعنات في اماكن خطرة من جسم المجني عليه، كما انه قد تقوم قرائن عدة لاثبات ان نية المتهم اتجهت الى ازهاق روح المغدور مثلا كالحالة التي تكون فيها اداة الجريمة هي حجر ومكان الضرب هو الرأس حيث اصابته تكون خطرة، والعنف الحاصل بالضرب بدليل الكسر في الجمجمة ونوعية السلاح المستعمل وعدد الطلقات والتصويب على مسافة قصيرة جداً بدليل وجود الوشم الناري عند مداخل الاصابات. فجميع تلك القرائن كافية لاثبات نية ازهاق الروح.

ولكي تتحقق جريمة القتل القصدي يجب ان تنصرف نية المتهم الى قتل المغدور وليس الى مجرد ايذائه، كون القاتل توقع امكانية حصول النتيجة التي انتهى اليها وقبل بالمخاطرة، الامر الذي يجعل العنصر الاحتمالي متوافر لديه.

وللقصد الاحتمالي تحديد موضوعي وآخر شخصي، انما القانون اللبناني استبعد التحديد الموضوعي للقصد الاحتمالي الذي يكتفي، لاعتباره متحققاً، بالتثبت من انه كان باستطاعة الجاني- ومن واجبه- توقع النتيجة الجرمية، واعتمد التحديد الشخصي الذي يشترط ان يكون الجاني قد توقع فعلياً احتمال وقوع النتيجة. وان اعتماد التحديد الشخصي يبدو معقولاً اذ انه ليس من المنطق في شيء ان ينسب الى الجاني القبول بالمخاطرة دون ان يكون قد توقع فعلاً مخاطر فعله ولمجرد انه كان باستطاعته، او من واجبه، توقع تلك المخاطر وان لم يتوقعها فعلاً وذلك لسبب بديهي، وهو انه لا يمكن للمرء ان يقبل بشيء اذا لم يكن قد علم به فعلاً وتوقع حصوله بصورة فعلية.

وقد اعتبر الاجتهاد ان اقدام الجاني على ضرب المغدور تحت تأثير الكحول التي كان قد تناولها وانه بقطع النظر عن درجة هذا التأثير فأن السكر يعتبر حالة عارضة يتشوش فيها الوعي وتضعف معها السيطرة على الارادة. وان تقييم الامور وتقديرها وتوقع نتائجها يصبح مشوشاً ومغلوطاً، وانه انطلاقاً من هذا الواقع العلمي يمكن الاعتبار ان توقعات الجاني للمخاطر التي قد تنتج عن افعال الضرب والعنف التي مارسها على شخص المجني عليه لم تكن توقعات الشخص الواعي بما فيه الكفاية لواقع الامور وعواقبها، فينتقي عنصر القصد الاحتمالي لديه وبغياب عنصر القصد في وجهيه المباشر والاحتمالي تعتبر جريمة القتل القصدي غير مكتملة العناصر.

                                                                                     المحامية باتريسيا صعيبي

Patricia.seaiby@saderlaw.com